الخطيب الشربيني
655
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
نصف شعبان ، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر ، وهذا يصلح أن يكون جمعا بين القولين في قوله تعالى : فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ فإنه قيل فيها : إنها ليلة النصف من شعبان وقيل : ليلة القدر وحينئذ لا خلاف ، وقيل : سميت بذلك لتضيقها بالملائكة . قال الخليل : لأن الأرض تضيق فيها الملائكة كقوله تعالى : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [ الطلاق : 7 ] وقيل : سميت بذلك لعظمها وشرفها وقدرها من قولهم : لفلان قدر ، أي : شرف ومنزلة قاله الأزهري وغيره . وقيل : سميت بذلك لأن للطاعة قدرا عظيما وثوابا جزيلا . وقيل : لأنه أنزل فيها كتابا ذا قدر على رسول ذي قدر ، ومعنى أنّ الله تعالى يقدر الآجال : أنه يظهر ذلك لملائكته ويأمرهم بفعل ما هو من سعتهم بأن يكتب لهم ما قدّره في تلك السنة ، ويعرّفهم إياه ، وليس المراد أنه يحدث في تلك الليلة لأن الله تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض في الأزل قيل للحسين بن الفضل : أليس قد قدر الله تعالى المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض ، قال نعم ، قيل له : فما معنى ليلة القدر ، قال : سوق المقادير إلى المواقيت ، وتنفيذ القضاء المقدّر . واختلفوا هل هي باقية أو لا ؟ فقيل : إنها كانت مرّة ثم انقطعت ، وقيل : إنها رفعت بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والصحيح أنها باقية إلى يوم القيامة . وروي عن عبد الله بن محسن مولى معاوية قال : قلت لأبي بكر : زعموا أن ليلة القدر قد رفعت ، قال : كذب من قال ذلك ، قلت : هي في كل شهر رمضان أستقبله ، قال : نعم . وعن سعيد بن المسيب أنه سئل عن ليلة القدر أهي شيء كان فذهب ، أم هي في كل عام ، فقال : بل هي لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ما بقي منهم اثنان ، واستدل من قال برفعها بقوله صلى اللّه عليه وسلم حين تلاحى الرجلان : « إني خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت ، وعسى أن يكون خيرا لكم » وهذا غفلة من هذا القائل ففي آخر الحديث « فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة » « 1 » فلو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها . واختلفوا في وقتها فأكثر أهل العلم أنها مختصة برمضان ، واحتجوا بقوله تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ البقرة : 185 ] . وقال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . فوجب أن لا تكون ليلة القدر إلا في رمضان لئلا يلزم التناقض . وروي عن أبي ابن كعب أنه قال : والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان حلف بذلك ثلاث مرات ، وعن ابن عمر قال : سئل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر فقال : « هي في كل رمضان » « 2 » وقيل : هي دائرة في جميع السنة لا تختص برمضان حتى لو علق طلاق امرأته أو عتق عبده بليلة القدر لا يقع ما لم تنقض سنة من حين حلف ، يروى ذلك عن أبي حنيفة . وعن ابن مسعود أنه قال : من أراد أن يعرف ليلة القدر فلينظر إلى غرة رمضان ، أي : إلى أوّله فإن كان يوم الأحد فليلة القدر ليلة تسع وعشرين ، وإن كان يوم الاثنين فليلة القدر إحدى وعشرين ، وإن كان يوم الثلاثاء فليلة سبع وعشرين ، وإن كان يوم الأربعاء فليلة تسعة عشر ، وإن كان يوم الخميس فليلة خمس وعشرين ، وإن كان ليلة الجمعة فليلة سبعة عشر ، وإن كان يوم السبت فليلة ثلاث وعشرين . وعلى القول الأول هل هي في كل زمان أو في العشر الأخير قولان : أحدهما : أنها في كل شهره .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان حديث 49 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الصلاة حديث 1387 ، والبيهقي في السنن الكبرى 4 / 307 .